تابع معهد حقوق حضارة باهتمام بالغ المحاضرة الثرية التي ألقاها د. أحمد يحيى راشد، أستاذ العمارة ومدير مركز الاستدامة ودراسات المستقبل بالجامعة البريطانية في مصر، بعنوان «حقوق حضارة لبناء حضارة»، في المؤتمر الدولي الحادي عشر للتنمية والبيئة في الوطن العربي بجامعة أسيوط، وقد تناغمت تناغمًا عميقًا مع رسالتنا في حماية التراث وتعزيز العدالة.
أبرز د. راشد ببلاغة مفارقة عميقة: المكانة المبجَّلة والتقدير الدولي للحضارة والتراث المصري في الخارج، في تناقض حاد مع ما يواجهه من تحديات وإهمال في موطنه الأصلي. ومع إقراره بالجهود الوطنية الكبيرة في الكشف والصون والتطوير، طرح سؤالًا حاسمًا: كيف نواجه من يجني الأرباح من تراثنا محليًا ودوليًا دون ضمان أن تسهم هذه المكاسب فعليًا في رفعته وصونه ومستقبله المستدام للأجيال القادمة؟
يطرح «حقوق حضارة لبناء حضارة» تحوّلًا جوهريًا في كيفية إدراكنا لتراثنا الإنساني الجماعي وحمايته، متجاوزًا الأطر القانونية القائمة.
في قلب محاضرة د. راشد تقديمُ مبادرة وطنية رائدة تناصرها أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا ويقودها مركز فاروق الباز للاستدامة ودراسات المستقبل. وتطرح المبادرة تخصصًا علميًا جديدًا هو «حقوق حضارة».
صُمِّم هذا الإطار الرائد لتجاوز القيود الكامنة في حقوق الملكية الفكرية عند تطبيقها على مجال التراث الإنساني الواسع والمعقّد. ومع استفادته الانتقائية من مبادئ الملكية الفكرية لبناء أساسه المنهجي والمنطقي، تهدف «حقوق حضارة» إلى إرساء معيار قانوني وأخلاقي أشمل وأنسب لحماية إرث الحضارات والانتفاع به بإنصاف.
حققت الرحلة الفكرية لـ«حقوق حضارة» محطة مهمة بالفعل. ففي يوليو ٢٠٢٠ صدر كتاب «حقوق حضارة لبناء حضارة» دوليًا. ويشكّل هذا الإصدار مرجعًا تأسيسيًا يقدّم حجة علمية متينة تسندها بحوث موسّعة وفرضيات عملية وسيناريوهات منطقية. وهو يدعو إلى نقاش وجدل حيويين، مستكشفًا «المستحيل» و«الممكن» و«المتاح» في صوغ مستقبل حقوق حضارة.
والأهم أن نطاق «حقوق حضارة» يتجاوز إرث مصر الغني بكثير. فمع أنه وُلد من احتياجات التراث المصري المباشرة، فإن هذا الحقل الناشئ يُتصوَّر ليشمل حقوق كل الحضارات الإنسانية. ويسعى إلى إرساء إطار عالمي يضمن:
ولا شك أن الطريق إلى أن تصبح «حقوق حضارة» قانونًا دوليًا مفعَّلًا ومُلزِمًا طويل. لكن معهد حقوق حضارة يحيّي هذه الخطوة الحيوية نحو مستقبل أعدل وأكثر استدامة للتراث العالمي. ونلتزم بدعم هذا النقاش الجوهري والانخراط فيه، ومناصرة المبادئ التي تصون كرامة كل الحضارات الإنسانية وإرثها.
ننهض بحقوق الحضارات الإنسانية وعلمها وتعافيها.