قدّم معهد حقوق حضارة مؤخرًا عرضًا رائدًا في مؤتمر ICOM دبي ٢٠٢٥ بعنوان «المومياوات وعلم المتاحف: تطبيق الإعلان العالمي لحقوق حضارة على تعامل المتاحف مع البقايا المحنَّطة». وقدّمه أ.د. أحمد راشد، رئيس المعهد، إلى جانب طارق راشد وبسمة شاهين، في ١٣ نوفمبر ٢٠٢٥، وشكّلت الجلسة لحظة محورية في النقاش حول الارتباط الثقافي الأخلاقي ومستقبل المتاحف في مجتمعات سريعة التغير.
استهلّ أ.د. راشد كلمته بسرد شخصي مؤثر، متتبعًا أصول «حقوق حضارة» إلى ملاحظة لافتة عام ١٩٩٩: وجود «لوكسور لاس فيغاس» بينما تصارع الأقصر الأصلية في مصر احتياجاتها وقلة الدعم. وأشعل ذلك بحثًا عميقًا في حقوق الملكية الفكرية للحضارات نفسها، فكشف فراغًا حرجًا في الأطر القائمة كاليونسكو وICOM، التي كثيرًا ما أغفلت الحقوق التأسيسية للحضارة الإنسانية.
وما بدأ حوارًا علميًا شخصيًا تطوّر عبر نقاشات وجدالات عديدة، أبرزها مؤتمر عام ٢٠٠٤ في قرطبة بالأرجنتين حول الأصالة في مقابل النسخة. وتُوّج هذا المسار بمشروع وطني نقل التركيز من الملكية الفكرية وحدها إلى مفهوم «حقوق حضارة» الأوسع. وإدراكًا لقابلية هذه المبادئ للتطبيق عالميًا بما يتجاوز حضارة واحدة، أسّس أ.د. راشد معهد حقوق حضارة في الولايات المتحدة، وهو ما أفضى في النهاية إلى الإعلان العالمي لحقوق حضارة— إطار شامل يضم خمس عشرة مادة صُمِّمت لحماية تراث كل الحضارات، ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا، بما في ذلك مجتمعات الشعوب الأصلية.
أكد العرض أن التعامل مع المومياوات تجسيد عميق للفجوات الأخلاقية في ممارساتنا المتحفية الحالية. وأبرز أ.د. راشد غياب إطار عالمي يحمي حقوق الإنسان وحقوق حضارة على البقايا المحنَّطة — وهو قلق يمتد من مومياوات البشر ليشمل مومياوات الحيوانات كذلك. وتأكيدًا للاحترام والاعتبارات الأخلاقية، استخدم العرض صورًا مولَّدة بالذكاء الاصطناعي، متجنبًا عمدًا عرض بقايا محنَّطة حقيقية.
«إن كنتُ إنسانًا وأعددتُ نفسي للحياة الثانية… فلي قرار ولي حق إنساني في أن أُدفَن على نحو معيّن… فإن نُقلتُ إلى المتحف المصري الكبير أو حتى إلى متحف المتروبوليتان أو أي متحف آخر، فهذا في رأيي مخالف لإرادة من دُفنوا منذ سنين طويلة.» — أ.د. أحمد راشد
ويلخّص هذا القول القوي الحجة الجوهرية: أن نقل المومياوات وعرضها ينتهك غالبًا الإرادة المعلنة والحقوق الإنسانية للمتوفَّين الذين أعدّوا أنفسهم بدقة لراحة أبدية في بيئة أصلية محددة. ويناصر المعهد الاعتراف بـ«البيئة الأصلية» حقًا أساسيًا لكل المقتنيات، ويصنّف النقل غير المأذون — ولو عبر آلاف السنين — شكلًا من أشكال الجريمة الثقافية. ومع أن الإعادة الفورية قد تكون هدفًا بعيد المدى، فإن الإقرار بهذا الحق هو الخطوة الأولى الحاسمة.
وقدّمت الكلمة كذلك مفهومين حاسمين يطرحهما المعهد:
ويخطط المعهد لمؤتمر مخصص لسيفليزولوجي بنهاية ٢٠٢٦، داعيًا إلى مشاركة عالمية لاستكشاف هذا المنهج العلمي التحويلي.
في مبادرة استشرافية، يطوّر المعهد نظام تصنيف من مستويين:
وصُمِّم هذان النظامان لاستهلال عهد جديد للمتاحف، يعزّز الشفافية والمساءلة واحترامًا أعمق للتراث الثقافي، خصوصًا لأجيال قادمة توظّف تقنيات المعلومات والذكاء الاصطناعي المتقدمة. والمعهد، الذي تأسس منظمة غير ربحية على غرار مؤسسات مثل ناشيونال جيوغرافيك، ملتزم بمنهج مجتمعي يضمن بقاء هذه المبادئ لأجيال.
ودوّنوا في تقاويمكم: ١٠ يونيو يومٌ عالمي لحقوق حضارة، وهو تاريخ يتوافق مصادفةً مع مبادرة حوار الحضارات لدى الأمم المتحدة. ويرى المعهد أن حقوق حضارة تقدّم الهدف الأسمى لهذا الحوار، إذ تحتوي نقاشات حقوق الإنسان المختلفة وتدمجها في مسعى موحّد نحو مجتمع عالمي متحضر حقًا.
وكان العرض في ICOM دبي ٢٠٢٥ شهادة قوية على رسالة المعهد في حماية التراث وتعزيز العدالة وإشعال الحركة العالمية لحقوق حضارة، ممهدًا لارتباط أكثر أخلاقية وعمقًا بإرثنا الحضاري المشترك.
ننهض بحقوق الحضارات الإنسانية وعلمها وتعافيها.