بينما يصارع العالم مطالب تغيّر المناخ العاجلة وضرورة التنمية المستدامة، برز معجم جديد تتصدره «العمارة الخضراء». وهذا المفهوم، المتناغم مع الجهود العالمية للحدّ من الأثر البيئي وترشيد الطاقة، له في مصر سابقة تاريخية عميقة كثيرًا ما تُغفَل. وفي حين تصوّر النقاشات المعاصرة البناء المستدام مسعىً حديثًا، يرى معهد حقوق حضارة أن مصر رائدة تأسيسية، فقد نقشت مبادئ العمارة الخضراء على جدران معابدها الفرعونية قبل آلاف السنين.
يطرح العصر الحديث تحديات غير مسبوقة، من الإجهاد الحراري والرطوبة إلى التلوث، وكلها تؤثر مباشرة في البيئة المبنية. وتؤكد الحوارات العالمية، كتلك الدائرة في مؤتمرات المناخ الأممية الأخيرة، الحاجة الحاسمة إلى منهج متوازن في التنمية يلبي احتياجات الحاضر دون المساس بالأجيال القادمة. واتساقًا مع هذه التطلعات، أبدت مصر بُعد نظر لافتًا. ويبرز د. أحمد راشد، أستاذ العمارة والتخطيط ورئيس مركز فاروق الباز للاستدامة ودراسات المستقبل، التزام مصر، مستشهدًا بسنّ تشريع بيئي مبكرًا عام ١٩٩٤ (قانون البيئة رقم ٤) وبرؤيتها الطموحة ٢٠٣٠ للتنمية المستدامة.
«في عصر يتوافق فيه العالم على تحديد مؤشرات التنمية المستدامة، تبنّت مصر استباقيًا مسؤوليتها تجاه الأجيال القادمة، فارتقت بجودة الحياة عبر تخطيط استراتيجي شامل.» — د. أحمد راشد
من أركان التزام مصر بالتنمية العمرانية المستدامة «كود الهرم الأخضر»، المعروف رسميًا بنظام تصنيف الهرم الأخضر. وهذه المبادرة الرائدة، التي طوّرها المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء وتشرف عليها وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، تجسّد إطارًا وطنيًا لتصنيف المباني الخضراء.
بدأت رحلته بمسودة في أواخر ٢٠١٠، ومرّ بمشاورات موسّعة مع علماء وباحثين وشركاء في الاستدامة قبل إطلاقه رسميًا عام ٢٠٢٠. وبحلول أكتوبر ٢٠٢١ اعتُمدت الوثيقة العربية لهذا النظام الوطني رسميًا، فوفّرت منهجية واضحة لتصنيف المشروعات بحسب التزامها بمعايير الهرم الأخضر الصارمة.
يحدّد النظام سبعة معايير متمايزة، لكل منها وزن يعكس أهميته في تحقيق استدامة شاملة:
وتشكّل هذه المعايير مجتمعةً إطارًا متينًا، إذ تُقيَّم المشروعات عبر ستة مستويات لضمان الالتزام بممارسات البناء المستدام.
تبذل الدولة المصرية جهودًا منسّقة لترسيخ هذه المفاهيم وتطبيقها في التنمية العمرانية الجديدة، بما يعزّز صون البيئة وبناء التعافي. والأهم أن مرحلة مهمة من التوعية والتعليم جارية لإبراز الدور الحيوي لكود الهرم الأخضر في تصميمات المباني المقبلة وتحديث المنشآت القائمة. وهذا النشر الواسع للمعرفة أساسي لغرس «ثقافة استدامة» في كل مستويات المجتمع، اتساقًا مع رؤية مصر ٢٠٣٠.
وعبر الحوارات المستمرة والانخراط مع أصحاب المصلحة، يتمثّل الهدف في ضمان فهم واسع لكود الهرم الأخضر وتبنّيه. وكما يؤكد د. راشد، فإن ما هو اليوم محل نقاش سيصير حتمًا شرطًا إلزاميًا. وإدراك العالم أن مخاطر تغيّر المناخ تتجاوز الحدود والثروة والمكانة — كما في الجوائح الأخيرة — يؤكد أن الوقاية أولوية قصوى. ولا يترك السباق الجماعي نحو الحياد الكربوني مجالًا للتراخي. وترى مصر، المهيأة لدور محوري في مؤتمرات المناخ المقبلة، أن البناء الأخضر وكود الهرم الأخضر أداتان لا غنى عنهما في قوانين البناء الموحّدة لديها، تأكيدًا لالتزامها بمستقبل مستدام للجميع.
ننهض بحقوق الحضارات الإنسانية وعلمها وتعافيها.